السبت، ٢٧ أكتوبر ٢٠٠٧

السماء لا تغفل أبدا ـ قصة قصيرة

السماء لاتغفل أبدا

قصة محمود البدوى

خرجت من دائرة المطار وبيدى حقيبتى .. وكان الجو فى الخارج شديد البرودة كما توقعت ، وبدت السماء شهباء داكنة .. والثلج يتساقط بغزارة .. وأشرت لتاكسى فوقف .. وقلت لسائقه :

ـ أتعرف فندقا هادئا ورخيصا .. فى هذه المدينة ؟
ـ نعم .. وسأذهب بك إلى أجمل فندق هنا .. ولن تدفع أكثر من ثلاثين دولارا فى اليوم .

ـ إقامة كاملة ..؟
ـ بالافطار فقط ..!

ولم أستكثر المبلغ لأنى أعرف غلاء المعيشة فى الدول الأسكندنافية .. ووجدته مقبولا .. ويتحمله جيبى فى الأيام العشرة التى سأقيمها فى المدينة .. وبعد جولة طويلة فى مدينة ساكنة وقف السائق .. أمام بناية خضراء من ثلاثة طوابق .. قريبة من المحيط .. ولم يكن خلفها ولا بجوارها بناء .. حتى حسبتها قائمة وحدها على سيف البحر ..

وأمسك السائق بالحقيبة ودفع الباب الدوار .. ودخلت وراءه مسرعا لأتقى البرد والثلج الساقط ..

وكان هناك رجل متوسط الطول سمين الوجه فى مركز الاستقبال .. استقبلتنا عيناه بنظرة متأنية .. قبل أن نقف أمامه ..

وقال للسائق .. بعد محادثة قصيرة بينهما :
ـ سنعطى للسيد الغرفة 206 فى الدور الثانى مطـلة على البحـر ..

وشكرت السائق ونقدته أجره وانصرف ..

وجاءت سيدة فى رداء أزرق سابغ .. حملت الحقيبة إلى المصعد .. ولم نتحادث حتى حسبتها لاتعرف الإنجليزية وقلــت فى نفسى انها مصيبة أن نتفاهم بالاشارة من أول يوم ..

وكان معها مفتاح الغرفة .. وبعد أن فتحت الباب سلمتنى المفتاح .. ودخلت معى الغرفة وأشعلت الأنوار .. وأزاحت الستر .. ووضعت الحقيبة داخل الدولاب .. ودلتنى على الباب الصغير الداخلى الموصل للحمام .. ثم أحنت رأسها وانصرفـت وأنا أشـكرها ..

وخلعت معطفى وملفحتى .. وكل ما تدثرت به ليقينى من البرد فى الخارج .. وأخذت حماما ساخنا شعرت بعده بالراحة .. وهدوء الأعصاب .. ولكن السكون الذى طالعنى من جنبات الفندق أقلقنى بدلا من أن يريحنى .. فقد كان شديدا وخيل إلىّ أننى الوحيد المقيم فى الفندق .

وغيرت ملابسى ونزلت إلى بهو الاستقبال فى الدور الأرضى .. فلم أجد نزيلا واحدا ، وطالعنى السكون .. وشعرت بالوحشة فليس حولى إلا مقاعد وأرائك خالية ، وستر كثيفة على الأبواب والنوافذ .. رياش وطنافس يسر بها كل نزيل ، ولكنها لم تدخل البهجة إلى قلبى ..

وأزحت ستار النافذة القريبة منى لأستأنس بالمارة فى الطريق .. ولكن الثلج كان يتساقط .. ولا أرى إلا العربات تمضى سريعا .. وبعض العابرين .. يتحركون تحت الثلج .. فرادى .. رجل واحد .. وامرأة وحيدة فى دثار كامل من البرد والثلوج ..

وكان بالقرب منى فى الساحة الواسعة .. رجل على حصان .. ولم أعرف موقعه من التاريخ فما أكثر التماثيل فى هذه المدينة .

والرجل الذى استقبلنى بالحقيبة وأنا داخل .. قد حل محله موظف آخر .. سيدة طويلة بيضاء حمراء الشعر .. قد خلعت عـذارهـا .. واشتغلـت بالكتابة فى دفتر طويل أو بالرد على التليفون ..

وظللت وحيدا فى مكانى أحصى المقاعد من خشب السويد .. وأتمعن فى اللوحات على الحوائط .. وأقلب فى عناوين الصحف التى أمامى حتى أحسست بالجوع .. وكنت أود أن أسأل موظفة الاستقبال عن مطعم .. ولكنى رأيت أن أعرف ذلك بنفسى دون سؤال .. وتلفعت وأصبحت فى الطريق .

ورأيت فى البناية القريبة من الفندق مطعما .. ولكنى تركته ودخلت المدينة أحدق فى اللافتات .. وأصبحت فى الشارع الرئيسى الذى تتجمع فيه كل المتاجر .. وقرأت لافتة تشير إلى مطعم فى الدور العاشر من محل " إرما " ودون أقل تردد ركبت المصعد إلى هناك .

وكان المطعم يشغل السطح كله للبناية .. ووجدته مزدحما ولكنى أخذت مائدة جانبية أعدت لشخص واحد .. وطلبت من الطعام ما راقنى لأن العاملة كانت تجيد الإنجليزية ويسهل معها التفاهم ..

ولما فرغت من الطعام ودفعت الحساب وارتديت معطفى وتحركت إلى الصالة الطويلة .. وجدت إعلانا جذابا عن معرض الف ليلة وليلة الذى جئت من أجله .. ووجدت اسمى وصورتى مع صور الرسامين المتقدمين بعروضهم ولوحاتهم .. ووقفت طويلا أمام هذا الاعلان فقد سرنى وأبهج قلبى .. وحمدت الله الذى ساقنى إلى هذا المتجر الكبير فى اليوم الأول من وصولى .. لأرى هذا وأسر به .

ورجعت إلى الفندق وأنا أشعر بمرارة الوحدة وكآبتها .. ولكن سماعى الموسيقى الكلاسيكية من الراديو الموضوع بجانب فراشى أراح نفسى فنمت نوما عميقا .. واستيقظت فى الساعة التى يقدم فيها الإفطار فى صالة الفندق ..

وفى الساعة التاسعة صباحا رأيت عربة تقف أمام الفندق وينزل منها ثلاث فتيات صبايا وفى عمر واحد بزى واحد .. وقلت فى نفسى لقد بدأ النزلاء يهلون .. كما يهل القمر بعد ظلمة طويلة .. ولكنى أصبت بحسرة عندما عرفت أنهن من العاملات فى شركة التنظيف الخاصة بالفندق .. وأنهن جئن لتنظيف الغرف .. وكل صباح يجئن لهذا العمل .. ومعهن معداتهن الكهربائية .

ورأيت أن أتغدى فى المطعم الذى تناولت فيه طعام العشاء بالأمس .. لأرى صورتى ولوحات ألف ليلة وليلة المعلقة هناك مرة أخرى .

واتخذت طريقى إلى الخارج ، وفيما أنا أسلم المفتاح لموظفة الاستقبال فى الفندق ناولتنى بطاقة .. وكانت دعوة لحضور حفل تكريم أحد الفنانين .

وأدركت أن السيدة صاحبة المطبعة التى ستطبع الف ليلة وليلة باللغات الأجنبية هى التى أرسلت إلىّ البطاقة بعد أن اتصلت بها تليفونيا بالأمس ، وعرفتها بالفندق الذى نزلت فيه .

وكانت الحفلة فى الساعة السادسة مساء .. فهم يبكرون فى موعد الحفلات .. والبطاقة تشير إلى الشارع والمكان .. وقررت أن أركب تاكسيا يوصلنى إليه دون حاجة إلى سؤال ، ولكنى عندما قدمت البطاقة لموظفة الاستقبال قالت لى إن المكان قريب جدا إلى درجة أنى أستطيع مشاهدته من هنا .. لو خلينا البنايات .. فبضع خطوات على رصيف الفندق .. ثم دورة إلى الشمال ومثلها على نفس الطوار توصلنى إلى المنزل 26 .

ووقفت على الرصيف أقرع جرس الباب المغلق .. والمنازل كلها فى الدانمرك مغلقة الأبواب دائما فى النهار والليل .. ليس اتقاء للصوص ولكن هذه هى عادتهم .

وأطلت عينان من الدور الرابع وفتح لى الباب ودخلت وصعدت السلالم إلى الدور الأول ثم الثانى وأنا أتصور أنى أخطأت الطريق .. فليس هذا مكان حفلات تقام .. فلا حركة ولا ضجيج .. ثم وجدت علاقات المعاطف فى زاوية من الباب فخلعت معطفى وكوفيتى وأثناء هذا أقبل فوج فيه سيدة شاهدتنى وحدى .. وتبادلنا النظرات طويلا وشجعنى ذلك على سؤالها :

ـ أتعرفين الإنجليزية .. يا سيدتى ..؟
ـ نعم ..
بنعومة وابتسامة ..
ـ هل هذا مكان تكريم الفنان فيلى VILLY أم أنا أخطأت العنوان ..؟
ـ إنه هو تماما .. وتفضل بالدخول من الباب .

وكانت قد خلعت معطفها ودثارها وبدت متأنقة فياضة الحركة جذابة الملامح وفى عينيها نعاس وصحو يترجران كالزئبق .

وحدثتنى أن اسمى تردد وهم يكتبون عناوين البطاقات وصورتى عندهم فى المطبعة ، وأن السيدة صاحبة المطبعة هى التى أصرت على دعوتى لحفلة التكريم هذه لأعرف الرسامين المشهورين فى هذه البلاد .. وأختلط بهم فى مدة إقامتى القصيرة .. وأنها بعد عرض كل الرسومات التى أرسلت إليها .. أختارت رسمى لأنى الوحيد من بين الرسامين جميعا الذى عرف كيف يبرز روح " شهر زاد " فى اللوحة ويصور كل ما فيها من ذكاء وجمال وفطنة .. وهناك من رسم لوحات جميلة ومطابقة من الشرق العربى .. ولكنهم لم يبلغوا برسوماتهم مستوى فنى .. فرسمى مميز وسرت به السيدة صاحبة المطبعة كثيرا .

وشكرت السيدة مرافقتى لكل هذا الإطراء ..

وتحولنا إلى المائدة الطويلة فى وسط القاعة .. وقد رصت عليها زجاجات النبيذ والبيرة وعصير البرتقال والليـــمون .. وفاكهـة كثيرة .. وأنواع مختلفة من المكسرات ..

وكانت السيدة مرافقتى قد لازمتنى لحظات ثم استأذنت .. ولما وقف من يتكلم عن الفنان المكرم .. عادت إلى جانبى تشرح لى مضمون الكلام .. لأن المتحدث كان يتكلم بلغة البلاد .. وأشاد بالفنان المسافر وعدد مواهبه وجوانب عبقريته .

ثم أقبلنا على الطعام والشراب وشربت كثيرا من النبيذ الأحمر والأبيض وشربت السيدة مثلى حتى لاحظت أثر ذلك فى وهج عينيها وأخذ المدعون فى الانصراف ..

وسألتنى السيدة :
ـ ما الذى شاهدته فى المدينة منذ وصلت ؟
ـ لا شىء له قيمة فى الواقع ..

ـ إذن سنتجول معا .. وأمامى ساعتان أخصصهما لك .. وقد اختارتنى مدام كارين لأكون دليلتك فى الأيام التى ستقضيها هنا .. وأرجو ألا تبتئس لهذا ..!!

ـ أبتئس يا سيدتى .. كيف يكون هذا ؟ إنى أرقص من الفرح .
ـ إذن سنقوم بجولة معا .. والمدينة ساهرة فى الليل وكلها أنوار ..
ـ وقمنا بجولة فى وسط المدينة وكانت المحلات قد أغلقت أبوابها ولكنها ظلت مضاءة تعرض بضاعتها من وراء الزجاج ، وكان سكون الشارع وقلة العابرين يجعلاك تستمتع بالمشاهدة وتشعر بالراحة .

وصلنا إلى مقهى صغير هادىء يقدم الفطير والقهوة والشاى .. واخترنا مائدة فى الداخل .. وشربت القهوة وشربت مثلى .. وحكيت لها باقتضاب السبب الذى جعلنى أسافر .. وكان يمكن أن أكتفى بالبريد بعد أن أرسلت اللوحات .. ولكنى رأيت أن أستغنى عن البريد كلية وأحضر بشخصى لأرى مدينة جميلة من دول الشمال .. يسمونها باريس الصغرى .. ومن رأى باريس الكبرى لابد أن يرى باريس الصغرى .. ثم أحيى هذه السيدة التى فكرت فى طبع قصة عربية على هذه الصورة الجميلة .

وقالت مرافقتى بعد سماعها حكاية سفرى :

ـ إن السيدة كارين Karen معجبة بالشرق العربى منذ صباها .. وكانت بمصر والكثير من بلاد الشرق .. ورجعت فى آخر جولة تحمل نسخة إنجليزية قديمة نادرة من الف ليلة وليلة فى يدها .. وبعدها فكرت فى طبعها فى مطبعتها .. وقالت إن القصة عربية ويجب أن يرسم لوحاتها العرب ، لأنهم أعرف الناس ببيئتهم وأشخاصهم ، وأعلنت فى الصحف وفى المعاهد العليا للفنون وكان من نتيجة الإعلان وجودك هنا .

ـ قد لاتعرفين يا سيدتى أن هذه القصة العربية الفذة والعديمة النظير فى كل ما كتب من قصص والتى بلغت شهرتها كل آفاق الدنيا .. هذه القصة لانعرف ولا نتحقق من مؤلفها حتى الآن !

وهذه القصة هى التى فتحت الآفاق أمام الكثير من كتاب الغرب .. فكتب بوكاشيو الإيطالى الديكاميرون .

وكتبت مرجريت نافار الفرنسية " الهيتاميرون " كما تأثر بها " لامرتين " " جوته " ، وكل من كتب من شعراء وكتاب الغرب عن الشرق .. فهى التى الهبت مشاعرهم وفتحت أمامهم آفاق الخيال .

ـ لقد شوقتنى لقراءتها .. ولكن سأنتظر حتى أقرأ القصة التى فيها لوحاتك ..
ـ شكرا لكل هذا العطف ..

ونظرت فى الساعة ثم قالت ..
ـ سنتقابل غدا بعد الساعة السادسة لنذهب إلى المطبعة .. وسأتلفن لك فى الفندق قبلها .
ـ هل أطمع فى أن نتقابل قبل ذلك لنتغدى معا ؟
ـ إنى أعمل حتى الساعة السادسة مساء .. ويصعب علىّ مقابلتك قبل ذلك ..
ـ إذن نتعشى ..
ـ لابأس من هذا ..

وسررت جدا لموافقتها .. ورافقتها إلى محطة القطار الذى ستركبه إلى بيتها ويقع فى ريف كوبنهاجن .

***

والتقيت بمرافقتى فى المقهى الصغير الذى تحت محل فروك جار froijar ثم ركبنا إلى المطبعة بعد أن أعلمنا السيدة " كارين " .. بقدومنا وسرت بنا ورحبت .. وأرتنا الماكينات وعدد الطباعة الحديثة وعرضت على أجمل مطبوعاتها ..

وقالت وهى تبتسم :
ـ وسيكون الف ليلة وليلة .. أجمل وأروع من كل هذه الكتب ..
ـ بالطبع سيكون هكذا ..
ـ وقد فكرت أخيرا فى طبعة عربية فى لندن .. وستكون لوحاتك فى هذه الطبعة أيضا ..
ـ إن هذا سيجعلنى أشعر بسعادة لاحد لها ..

وجلسنا نشرب الشاى فى مكتبها الصغير الأنيق .. وقالت وهى تشير إلى مجموعة من الصور فوق المكتب .. هذا جدى .. وهذا والدى .. وهذا ابنى " انجر " الذى يعمل معى الآن .. وهم جميعا الذين أسسوا المطبعة .

ـ من دواعى الســرور أن تحتفظى بمكانتهم وصورهم هنا .
وقدمت لى كهدية بعض الروايات والقصص لكتاب من السويد والنرويج والدانمرك .. سلمى لاجرلوف .. أوجست استرندبرج .. هرمان بانج .. ألكسندر كيلاند .. أبسن .. وكلها من طبعتها باللغة الإنجليزية .

ولما تناولت اللفة .. قالت برقة :

ـ لن تحمل شيئا يا سيد " مختار " وتدور به فى المدينة .. سأرسل الكتب إلى الفندق .

وشكرتها وخرجنا أنا ومرافقتى السيدة " كوانا " لنتجول قليلا .. ثم نذهب إلى مطعم للعشاء كما اتفقنا من قبل .. وكانت قد هيأت نفسها لهذه الجولة الليلية فى أجمل ما ترتديه الأنثى فى المساء .. معطف سنجابى أنيق يضم جسمها ويبرز تقاطيعه ووشاح من الصوف دار على عنقها وزادها جمالا وفتنة .

وتعشينا فى المطعم الذى فوق المتجر .. والذى عرفتـه من قبـل ..

وقالت بعذوبة :
ـ لقد عرفت أجمل وأرخص المطاعم بسرعة .. ومن أول يوم ..
ـ كان ذلك مصــــادفة .. محض صدفة .. والبيرة جيدة هنا ..
ـ نعم جيدة .. وستجعلنا نأكل كثيرا ..!

وضحكنا وسألتنى :

ـ كم من الزمن أخذت منك هذه اللوحات ..؟
ـ قد أكون كاذبا إذا قلت انها استغرقت سنة .. الواقع انها استغرقت منى أقل من ذلك .. ورسمت بعد تفرغ ورغبة .. وكنت قد قرأت القصة .. واختلطت بمشاعرى ودمى .. ولذلك كان الرسم سهلا بعد ذلك .. رغم مشاغل الحياة والسعى وراء لقمة العيش .

ـ بالطبع نحن لانستطيع أن نتفرغ كلية .. كما فعل من كان قبلنا .. مشاغل الحياة كثيرة .

ـ انظرى وفكرى بعمق فى الرسام الذى التصق بكنيسة روما سنين وسنين ليرسم على سقفها أروع ما رسم فنان فى الوجود .. وفى الذى وهو يرسم " الموناليزا " جاء لها بفرقة موسيقية تعزف لها أجمل الألحان .. ليظل طابع الهدوء والسكون مرتسمين على وجه الفتاة وهو يرسم .

إننا لانستطيع الآن أن نكون مثلهم .. لم يكن دماغ الفنان مشغولا فى ذلك الوقت بالقنبلة النووية والهيدروجينية .. ودمار الحروب ، كان ذهنه متفرغا لعمله تماما .. كان يرسم فى سكون وتأمل وببسطة فى العيش .

ـ وأظن أنهم جميعا ولدوا فى سنين مقاربة وجاءوا فى عصر واحد .. عصر الأساتذة ..

ـ أجل فميشيل أنجلو على ما أذكر ولد سنة 1475 وهو الذى رسم سقف كنيسة روما .. وخلق الدنيا .. تصورى كيف كان تفكيره .. عندما فكر فى خلق الدنيا .. وفى آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة وطردا من الجنة .

ـ منتـهى الهـدوء والسكينة للنفس وهى ممسكة بالفرشاة ..

ـ ثم رافائيل 1483 وروينز 1536 .. جيل العباقرة والأساتذة كما ذكرت .

وفى زماننا ظهر واحد فلتة بيكاسو ولكنه فلتة لن تتكرر . ونحن الآن نعمل وكلنا يسعى لغرض أسمى .. ولإسعاد البشرية .. ولكـن هـل تحس البشرية بعملنا .. وما تلاقيه من صعاب .. أبدا أبدا .

وقالت " جوانا " معقبة ..!

ـ والذى يجنى الثمر من تعب الفنان وكده .. هو غيره وأنت تعرف هذا أكثر منى .

ـ إن نظرة التحول طرأت على الفنون جميعا .. تبعا لصخب الحياة وضجيجها .. موسيقى الجاز .. أفلام رعاة البقر .. قنابل ومتفجرات الحروب ودخانها .. تلوثت العقول .. وانمحى صفاء الذهن .. وبعد التأمل الطويل .. وركن الناس إلى السرعة .. السرعة .. والجرى بكل ما يملكون من طاقة وراء صخب الحياة .

عفوا لقد أثقلت عليك .. من كل هذه الخطب فمعذرة .

ـ أبدا أحب أن أرى على وجهك هذه الحماسة للفنون .
ـ سـأريك شيئـا جميـلا سررت به من قبل وشاهدته مصادفة هنا ..
ـ ما هو ..؟
ـ لوحات من الف ليلة وليلة معلقة فى صالة المتجر .
ـ هذا هو من نشاط مدام " كارين " إنها نشطة جدا فى الإعلان .. ولولا الإعلان ما جئت أنت إلى هنا ..!
ـ وسترين صورتى وبعضا من لوحاتى .. ونحن فى الطريق إلى الصالة .

ورأت السرور على وجهى فابتسمت ونزلنا بالمصعد إلى الطريق وودعتها فى القطار الذاهبة به إلى بيتها .

***

وفى الصباح التالى اتصلت بى تليفونيا فى الفندق .. وقالت برقة :

ـ سنتقابل اليوم فى السادسة والنصف مساء بعد انتهاء عملى .. وسنتعشى معا .. وأنا صاحبة الدعوة !

ـ وأقبل بسرور ..!

ـ سيكون اللقاء فى المقهى الصغير الذى شربنا فيه القهوة بالأمس .

ـ سأكون هناك قبل الموعد بساعة !

وتعشينا أنا و"جوانا " فى مطعم اختارته هى .. وشربنا مع الطعام الكثير من البيرة .. وخرجنا نتجول فى المدينة .. وأصبحنا نخرج من ميدان إلى ميدان .. ومن شارع إلى شارع .. وأنا أقول لها :

ـ ألا تشعرين بالتعب .. ألا نركب سيارة ؟
ـ أبدا أنا أحب أن أريك أجمل ما فى المدينة فى الليل .
وكنا نتجه إلى الميناء .. ووجدنا ملهى طالعنا منه السكون .

فهبطنا إليه .. واتخذنا زاوية ركنية .. وطلبنا النبيذ وجلسنا نشرب .. ونستمتع بالموسيقى والرقص .. ثم أقبل فوج من البحارة وكنا فى ظهر الميناء .. فدخلوا الملهى وأخذوا يشربون ويعربدون .. وكانوا من أجناس مختلفة من الإنجليز ومن بحارة الشمال .. وكنت أود أن نخرج من المكان بمجرد دخولهم ولكنى خشيت أن تتصور أنى خفت منهم .. فبقينا كما كنا ..

وكان همهم كله الرقص والغناء بصوت كريه .

وأقبل بحار تجاه مائدتنا وقال بأدب :

ـ هل تسمح لى السيدة برقصة ..

ورددت أنا على الفور قبل أن أعطيها الفرصة للرد بالقبول أو الرفض ..

ـ السيدة لاتعرف الرقص ..
ـ أتوجد سيدة أوربية لاتعرف الرقص ؟
باستغراب شديد ..

ـ أجل توجد وأرجو أن تنصرف .

وهم بأن يمسك السيدة من ذراعها .. فلكمته بجمع يدى فذهب يترنح وسقط على مائدة مجاورة وشعرت بلكمة على صدغى ولم أر من فعلها .

وتكهرب الموقف وجاء اثنان من عمال الملهى فوقفا بيننا وبين من تحرك من البحارة ، وكان صاحب الملهى قد طلب البوليس فدخل سريعا .

وقالت بسرعة :
ـ لنخرج .
فقلت لها :
ـ سنخرج ولكن ليس فى حركة الهارب أو الجبان .
ـ أعجب لموقفك وأنت الغريب ..!

وبعد دقائق أمسكت بيدها وخرجنا .. فإذا بالمطر يتساقط بغـزارة والريح تعصـف ولم نكن مستعدين بملابسنا للمطر فقلت لها :

ـ إن الفندق على بعد خطوات من هنا .. وهو أحسن مكان يأوينا .. حتى ينقشع المطر .

فلم ترد واتجهنا إلى الفندق مسرعين .

ولم ينفعنا الجلوس فى البهو لأن معاطفنا كانت مبللة .. فصعدنا إلى غرفتى وخلعنا معطفينا ووضعناهما على المناشف الكهربائية المعدة للفوط ليجفا من الماء ..

وكان صدارها الصوفى الذى تحت المعطف قد أصابه البلل أيضا .. ولكنى خجلت أن أقول لها اخلعيه ليجف وإلا سيصيبك البرد والزكام وأكون أنا السبب . وتحسسته بيدها ثم أبقتــه كما كان . ولعلها راودت نفسها على خلعه ثم عدلت .

وقالت وعلى وجهها الأسى :

ـ كيف حدث كل هذا ؟ إنى أتعجب ..؟
ـ إن بلدكم هادىء وجميل .. وأهله بسطاء ومن أطيب الناس وأحسنهم خلقا .. ولكن المتاعب تأتيكم دوما من الغرباء عنكم ..

ـ هذا حق .. والخنزير الذى لكمك لم أره .. وإلا لكنت .. وإلا لكنت ..

ونظرت اليها وهى منفعلة .. وأحببتها فى هذه اللحظة كما لم يحب رجل امرأة فى حياته .. وشعرت بالخجل لكل ما حدث ..

وقلت وأنا أنظر إلى عينيها :
ـ سنشرب .. عندى كونياك .. هنا ..
ـ لقد شربنا كثيرا .. يا مختار ..
ـ ولنشـرب أكـثر .. لنتقى البرد وأنت خارجة .. وانسى ما حـدث .. لقد كنت السبب فى احراجك الليلة ..
ـ كيف تفكر هكذا يا مختار .. وأنت الغريب عن البلد .. ولا تعرف فى أى ملهى كنا وأخذنا نشرب ..

وقالت وقد تضرج وجهها :
ـ هل كانت شهر زاد جميلة إلى هذا الحد الذى رسمته فى اللوحة ؟
ـ أعتقد هذا بعد كل ما قرأته عنها .. وأنها كانت أجمل من كل رسم ..
ـ وذكية ..؟
ـ جدا .. ذكاء مفرط .. انظرى كيف كانت تختار الجمل .. وكيف كانت تتوقف عند جملة بعينها .. بعد أن يبلغ شهريار مداه من التشوق واللهفة إلى سماع باقى القصة .. فى هذه اللحظة كانت تتوقف عن السرد .. وتتركه يتمرغ فى شوقه إلى الليالى التالية ..
ـ لقد رسمتها وأنت تحبها إذن ..؟
ـ أجل وستحبينها أنت أكثر منى .. إذا قرأت القصة ..

وحدث شىء جعلنا نقطع الحديث .. فقد أخذ الدم يتساقط من أنفى .. حدث هذا فجأة .. وحدث فى دفء الغرفة والشراب .. وكان الدم قد حبسه البرد الشديد فى الخارج ولكنه انطلق الآن ..

ودخلت الحمام أغسل الدم .. ودخلت ورائى ..

وقالت بلوعة :
ـ أفكر فى الطبيب بسرعة .. والطبيب هنا لايوجد إلا فى المستشفى ..
ـ لاداعى لطبيب أو مستشـفى .. الدم سينقطـع حالا بالماء البارد .

وأمسكت بالفوطة وبللتها بالماء وأخذت أمسح الدم .. وتناولت الفوطة من يدى .. وحركت كفها بنعومة ..

فقلت لها وأنا شاعر بالراحة .. !
ـ هــذه أول أنامل لأنثى تمسح آلامى وأشعر بها فى حياتى ..
ـ كيف هذا .. وزوجتك ..؟
ـ تزوجت مرة واحدة .. وفشلت .. وعدلت عن الزواج كلية بعد هذه التجربة .. فليس عندى من الأعصاب ما يحتمل ترويض الأنثى .. أنا قلق ولا أثبت على حال ..

ـ أنت فنــان ولوحاتك تعبر عن الصبر الطويل وليس القلق ..
ـ ولكنى كنت قلقا وعصبيا معها فاعذرينى ..
ـ وجهك بملامحه يبدو عليه الهدوء وسكينة النفس .. ولكن من عينيك يطل الحزن .. وأدركت هذا من الصورة التى بعثتها إلينا مع لوحتك .. فما سبب هذا الحزن ..؟

ـ أشعر فى أعماقى بالتعاسة .. والقلق ..
ـ هذا ما يشعر به كل فنان .. فلا تروع نفسك ..
ـ ولكنى مروع .. وأخاف دائما من شىء مجهول لا أعرف متى يأتى ..!!
ـ لاتجعلنى أضحك .. أنت فى رونق شبابك .. وهذه حالة مرضية فأبعدها عن رأسك ..
ـ ولكنها موجودة .. فما حيلتى ..!
ـ أنظر انقطع الدم تماما ..
ـ سأقبل اليد التى مسحت عليه .. وكانت السبب ..

وقبلت يدها وعينيها .. وضممتها إلى صدرى ورحنا فى عناق طويل .. غبنا فيه عن الغرفة .. والفندق والزمان والمكان بل عن الوجود كله .

***

وارتدت ملابسها التى جفت وأكملت زينتها وتهيأت للرواح .. وكانت تود أن تذهب وحدها إلى قطار الضواحى الذى سيحملها إلى بيتها .. ولكنى أصررت على مرافقتها ..

وخرجنا والليل متجل وفى قمة جماله وصحوه .. كما تتجلى العروس .. والمدينة ساكنة وأنوارها تتلألأ .. ودخلنا المحطة وكانت خالية إلا بالقليل من الركاب .. فقد قارب الليل إن ينتصف .. ورأينا رجلا يترنح تحت الرصيف والجو أخذ يثلج .. ونظرت إليه وقالت بمكر ..

ـ هل كانت شهر زاد سكرى الليلة فى الفندق ..؟
ـ أبدا .. ولا كان شهريار سكرانا ..!
ـ وما حدث ..؟!
ـ لابد من حدوثه ..

وارتسم على وجهها حنان لم أر مثله على وجه أنثى ..

وسمعنا صوت القطار داخل المحطة .. فقالت :
ـ أقبل القطار .. وسأريك قطع التذكرة ..

وأخذت ترينى الطريقة فى الآلة الأتوماتيكية المخصصة للتذاكر ..
وقلت لها :
ـ إننى من الغباء بحيث يصعب علىّ التعلم من أول مرة ..
ـ سأكرر الطريقة ..
ـ وتخسرين نقودا ..
ـ لا يهم ..
ـ أو أحسن أن أركب من غير تذكرة .. ويغرمنى الكمسارى .. بدلا من كل هذا التعب ..
ـ لن يغرمك الكمسارى ..
ـ لماذا ..؟
ـ لأنه يعرف أنك فنان .. ومهذب .. ووجهك ضاحك ..!!
وقبلت يدها .. ودخلت القطار .

***

وفى الصباح عرفت الطريق إلى المحطة وركبت نفس القطار .

واستقبلتنى جوانا على المحطة التى فيها بيتها .. وكان اليوم من أيام الأحد وهو عطلة .. فتحركت بحريتها وأرتنى الريف .. ببهجته وجماله وأزهاره وحدائقه ومزارعه الصغيرة .. وفيلاته الخضراء .. من طابقين بسقوفها المحدودبة والثلج يغطيها والبرد يلفها والعصافير تزقزق فى أركانها .. والطرق كلها بيضاء كنتف القطن ..

وبعد جولة طويلة بين الفيلات والثلج يتساقط والشمس غائبة .. شربنا الشاى وأكلنا الفطير فى شرفتها المطلة على المزارع ..

وقالت :
ـ سنقوم بجولة أخرى بعد أن يخف سقوط المطر .. وسأريك كلية الفنون .. وسترى هناك لوحات الشباب من كل أجناس الأرض .. وستمر بها وتعجب بهذه المواهب المتفتحة للحياة ..
ـ يسعدنى هذا ..
ـ وسنتغدى هنا ..
ـ ونتغدى هنا ..!

فابتسمـت واكتسى وجهها بلـون الأرجوان .. لموافقتى السريعة .

وقالت وهى تنهض وعلى وجهها البشر ..

ـ إنك حتى هذه اللحظة .. لم تر زوجى .. فتعال لأقدمك إليه ..

وتحركت وراءها إلى الدور الأول من الفيلا ..

وفى قاعة جميلة زينت بالكتب واللوحات والتماثيل الصغيرة .. قادتنى إلى ركن خفيف الضوء ..

وقالت برقة :
ـ سلم على زوجى ..

وكان الرجل يجلس بكامل هندامه على كرسى متحرك ..
وشعرت بيدى وأنا أحاول مدها إليه كأنها تحمل أطنانا من الحديد المحمى .. وعجزت عن تحريكها ..

وهبت العاصفة بكل ثقلها فجأة ..

وانحنيت وقبلت رأسه ..

وأدركت هى ما حل بى .. فأدارت رأسها وغالبت عبراتها .. وخرجت مسرعة من الغرفة .. وجلست بجوار الرجل وأنا مشلول الذراع صامت أخرس والدنيا تدور بكل ثقلها وأوزارها وتحط على صدرى .
=================================
نشرت القصة فى صحيفة مايو المصرية بتاريخ 431985 وأعيد نشرها فى كتاب " قصص قصيرة " لمحمود البدوى عام 2000
=================================
السيد الأستاذ رئيس التحرير
تحية طيبة
أرسل اليكم قصة لوالدى أديب مصر الكبير الراحل محمود البدوى
مع خالص الشكر والتحية
ليلى محمود البدوى


السماء لاتغفل أبدا

قصة محمود البدوى

خرجت من دائرة المطار وبيدى حقيبتى .. وكان الجو فى الخارج شديد البرودة كما توقعت ، وبدت السماء شهباء داكنة .. والثلج يتساقط بغزارة .. وأشرت لتاكسى فوقف .. وقلت لسائقه :

ـ أتعرف فندقا هادئا ورخيصا .. فى هذه المدينة ؟
ـ نعم .. وسأذهب بك إلى أجمل فندق هنا .. ولن تدفع أكثر من ثلاثين دولارا فى اليوم .

ـ إقامة كاملة ..؟
ـ بالافطار فقط ..!

ولم أستكثر المبلغ لأنى أعرف غلاء المعيشة فى الدول الأسكندنافية .. ووجدته مقبولا .. ويتحمله جيبى فى الأيام العشرة التى سأقيمها فى المدينة .. وبعد جولة طويلة فى مدينة ساكنة وقف السائق .. أمام بناية خضراء من ثلاثة طوابق .. قريبة من المحيط .. ولم يكن خلفها ولا بجوارها بناء .. حتى حسبتها قائمة وحدها على سيف البحر ..

وأمسك السائق بالحقيبة ودفع الباب الدوار .. ودخلت وراءه مسرعا لأتقى البرد والثلج الساقط ..

وكان هناك رجل متوسط الطول سمين الوجه فى مركز الاستقبال .. استقبلتنا عيناه بنظرة متأنية .. قبل أن نقف أمامه ..

وقال للسائق .. بعد محادثة قصيرة بينهما :
ـ سنعطى للسيد الغرفة 206 فى الدور الثانى مطـلة على البحـر ..

وشكرت السائق ونقدته أجره وانصرف ..

وجاءت سيدة فى رداء أزرق سابغ .. حملت الحقيبة إلى المصعد .. ولم نتحادث حتى حسبتها لاتعرف الإنجليزية وقلــت فى نفسى انها مصيبة أن نتفاهم بالاشارة من أول يوم ..

وكان معها مفتاح الغرفة .. وبعد أن فتحت الباب سلمتنى المفتاح .. ودخلت معى الغرفة وأشعلت الأنوار .. وأزاحت الستر .. ووضعت الحقيبة داخل الدولاب .. ودلتنى على الباب الصغير الداخلى الموصل للحمام .. ثم أحنت رأسها وانصرفـت وأنا أشـكرها ..

وخلعت معطفى وملفحتى .. وكل ما تدثرت به ليقينى من البرد فى الخارج .. وأخذت حماما ساخنا شعرت بعده بالراحة .. وهدوء الأعصاب .. ولكن السكون الذى طالعنى من جنبات الفندق أقلقنى بدلا من أن يريحنى .. فقد كان شديدا وخيل إلىّ أننى الوحيد المقيم فى الفندق .

وغيرت ملابسى ونزلت إلى بهو الاستقبال فى الدور الأرضى .. فلم أجد نزيلا واحدا ، وطالعنى السكون .. وشعرت بالوحشة فليس حولى إلا مقاعد وأرائك خالية ، وستر كثيفة على الأبواب والنوافذ .. رياش وطنافس يسر بها كل نزيل ، ولكنها لم تدخل البهجة إلى قلبى ..

وأزحت ستار النافذة القريبة منى لأستأنس بالمارة فى الطريق .. ولكن الثلج كان يتساقط .. ولا أرى إلا العربات تمضى سريعا .. وبعض العابرين .. يتحركون تحت الثلج .. فرادى .. رجل واحد .. وامرأة وحيدة فى دثار كامل من البرد والثلوج ..

وكان بالقرب منى فى الساحة الواسعة .. رجل على حصان .. ولم أعرف موقعه من التاريخ فما أكثر التماثيل فى هذه المدينة .

والرجل الذى استقبلنى بالحقيبة وأنا داخل .. قد حل محله موظف آخر .. سيدة طويلة بيضاء حمراء الشعر .. قد خلعت عـذارهـا .. واشتغلـت بالكتابة فى دفتر طويل أو بالرد على التليفون ..

وظللت وحيدا فى مكانى أحصى المقاعد من خشب السويد .. وأتمعن فى اللوحات على الحوائط .. وأقلب فى عناوين الصحف التى أمامى حتى أحسست بالجوع .. وكنت أود أن أسأل موظفة الاستقبال عن مطعم .. ولكنى رأيت أن أعرف ذلك بنفسى دون سؤال .. وتلفعت وأصبحت فى الطريق .

ورأيت فى البناية القريبة من الفندق مطعما .. ولكنى تركته ودخلت المدينة أحدق فى اللافتات .. وأصبحت فى الشارع الرئيسى الذى تتجمع فيه كل المتاجر .. وقرأت لافتة تشير إلى مطعم فى الدور العاشر من محل " إرما " ودون أقل تردد ركبت المصعد إلى هناك .

وكان المطعم يشغل السطح كله للبناية .. ووجدته مزدحما ولكنى أخذت مائدة جانبية أعدت لشخص واحد .. وطلبت من الطعام ما راقنى لأن العاملة كانت تجيد الإنجليزية ويسهل معها التفاهم ..

ولما فرغت من الطعام ودفعت الحساب وارتديت معطفى وتحركت إلى الصالة الطويلة .. وجدت إعلانا جذابا عن معرض الف ليلة وليلة الذى جئت من أجله .. ووجدت اسمى وصورتى مع صور الرسامين المتقدمين بعروضهم ولوحاتهم .. ووقفت طويلا أمام هذا الاعلان فقد سرنى وأبهج قلبى .. وحمدت الله الذى ساقنى إلى هذا المتجر الكبير فى اليوم الأول من وصولى .. لأرى هذا وأسر به .

ورجعت إلى الفندق وأنا أشعر بمرارة الوحدة وكآبتها .. ولكن سماعى الموسيقى الكلاسيكية من الراديو الموضوع بجانب فراشى أراح نفسى فنمت نوما عميقا .. واستيقظت فى الساعة التى يقدم فيها الإفطار فى صالة الفندق ..

وفى الساعة التاسعة صباحا رأيت عربة تقف أمام الفندق وينزل منها ثلاث فتيات صبايا وفى عمر واحد بزى واحد .. وقلت فى نفسى لقد بدأ النزلاء يهلون .. كما يهل القمر بعد ظلمة طويلة .. ولكنى أصبت بحسرة عندما عرفت أنهن من العاملات فى شركة التنظيف الخاصة بالفندق .. وأنهن جئن لتنظيف الغرف .. وكل صباح يجئن لهذا العمل .. ومعهن معداتهن الكهربائية .

ورأيت أن أتغدى فى المطعم الذى تناولت فيه طعام العشاء بالأمس .. لأرى صورتى ولوحات ألف ليلة وليلة المعلقة هناك مرة أخرى .

واتخذت طريقى إلى الخارج ، وفيما أنا أسلم المفتاح لموظفة الاستقبال فى الفندق ناولتنى بطاقة .. وكانت دعوة لحضور حفل تكريم أحد الفنانين .

وأدركت أن السيدة صاحبة المطبعة التى ستطبع الف ليلة وليلة باللغات الأجنبية هى التى أرسلت إلىّ البطاقة بعد أن اتصلت بها تليفونيا بالأمس ، وعرفتها بالفندق الذى نزلت فيه .

وكانت الحفلة فى الساعة السادسة مساء .. فهم يبكرون فى موعد الحفلات .. والبطاقة تشير إلى الشارع والمكان .. وقررت أن أركب تاكسيا يوصلنى إليه دون حاجة إلى سؤال ، ولكنى عندما قدمت البطاقة لموظفة الاستقبال قالت لى إن المكان قريب جدا إلى درجة أنى أستطيع مشاهدته من هنا .. لو خلينا البنايات .. فبضع خطوات على رصيف الفندق .. ثم دورة إلى الشمال ومثلها على نفس الطوار توصلنى إلى المنزل 26 .

ووقفت على الرصيف أقرع جرس الباب المغلق .. والمنازل كلها فى الدانمرك مغلقة الأبواب دائما فى النهار والليل .. ليس اتقاء للصوص ولكن هذه هى عادتهم .

وأطلت عينان من الدور الرابع وفتح لى الباب ودخلت وصعدت السلالم إلى الدور الأول ثم الثانى وأنا أتصور أنى أخطأت الطريق .. فليس هذا مكان حفلات تقام .. فلا حركة ولا ضجيج .. ثم وجدت علاقات المعاطف فى زاوية من الباب فخلعت معطفى وكوفيتى وأثناء هذا أقبل فوج فيه سيدة شاهدتنى وحدى .. وتبادلنا النظرات طويلا وشجعنى ذلك على سؤالها :

ـ أتعرفين الإنجليزية .. يا سيدتى ..؟
ـ نعم ..
بنعومة وابتسامة ..
ـ هل هذا مكان تكريم الفنان فيلى VILLY أم أنا أخطأت العنوان ..؟
ـ إنه هو تماما .. وتفضل بالدخول من الباب .

وكانت قد خلعت معطفها ودثارها وبدت متأنقة فياضة الحركة جذابة الملامح وفى عينيها نعاس وصحو يترجران كالزئبق .

وحدثتنى أن اسمى تردد وهم يكتبون عناوين البطاقات وصورتى عندهم فى المطبعة ، وأن السيدة صاحبة المطبعة هى التى أصرت على دعوتى لحفلة التكريم هذه لأعرف الرسامين المشهورين فى هذه البلاد .. وأختلط بهم فى مدة إقامتى القصيرة .. وأنها بعد عرض كل الرسومات التى أرسلت إليها .. أختارت رسمى لأنى الوحيد من بين الرسامين جميعا الذى عرف كيف يبرز روح " شهر زاد " فى اللوحة ويصور كل ما فيها من ذكاء وجمال وفطنة .. وهناك من رسم لوحات جميلة ومطابقة من الشرق العربى .. ولكنهم لم يبلغوا برسوماتهم مستوى فنى .. فرسمى مميز وسرت به السيدة صاحبة المطبعة كثيرا .

وشكرت السيدة مرافقتى لكل هذا الإطراء ..

وتحولنا إلى المائدة الطويلة فى وسط القاعة .. وقد رصت عليها زجاجات النبيذ والبيرة وعصير البرتقال والليـــمون .. وفاكهـة كثيرة .. وأنواع مختلفة من المكسرات ..

وكانت السيدة مرافقتى قد لازمتنى لحظات ثم استأذنت .. ولما وقف من يتكلم عن الفنان المكرم .. عادت إلى جانبى تشرح لى مضمون الكلام .. لأن المتحدث كان يتكلم بلغة البلاد .. وأشاد بالفنان المسافر وعدد مواهبه وجوانب عبقريته .

ثم أقبلنا على الطعام والشراب وشربت كثيرا من النبيذ الأحمر والأبيض وشربت السيدة مثلى حتى لاحظت أثر ذلك فى وهج عينيها وأخذ المدعون فى الانصراف ..

وسألتنى السيدة :
ـ ما الذى شاهدته فى المدينة منذ وصلت ؟
ـ لا شىء له قيمة فى الواقع ..

ـ إذن سنتجول معا .. وأمامى ساعتان أخصصهما لك .. وقد اختارتنى مدام كارين لأكون دليلتك فى الأيام التى ستقضيها هنا .. وأرجو ألا تبتئس لهذا ..!!

ـ أبتئس يا سيدتى .. كيف يكون هذا ؟ إنى أرقص من الفرح .
ـ إذن سنقوم بجولة معا .. والمدينة ساهرة فى الليل وكلها أنوار ..
ـ وقمنا بجولة فى وسط المدينة وكانت المحلات قد أغلقت أبوابها ولكنها ظلت مضاءة تعرض بضاعتها من وراء الزجاج ، وكان سكون الشارع وقلة العابرين يجعلاك تستمتع بالمشاهدة وتشعر بالراحة .

وصلنا إلى مقهى صغير هادىء يقدم الفطير والقهوة والشاى .. واخترنا مائدة فى الداخل .. وشربت القهوة وشربت مثلى .. وحكيت لها باقتضاب السبب الذى جعلنى أسافر .. وكان يمكن أن أكتفى بالبريد بعد أن أرسلت اللوحات .. ولكنى رأيت أن أستغنى عن البريد كلية وأحضر بشخصى لأرى مدينة جميلة من دول الشمال .. يسمونها باريس الصغرى .. ومن رأى باريس الكبرى لابد أن يرى باريس الصغرى .. ثم أحيى هذه السيدة التى فكرت فى طبع قصة عربية على هذه الصورة الجميلة .

وقالت مرافقتى بعد سماعها حكاية سفرى :

ـ إن السيدة كارين Karen معجبة بالشرق العربى منذ صباها .. وكانت بمصر والكثير من بلاد الشرق .. ورجعت فى آخر جولة تحمل نسخة إنجليزية قديمة نادرة من الف ليلة وليلة فى يدها .. وبعدها فكرت فى طبعها فى مطبعتها .. وقالت إن القصة عربية ويجب أن يرسم لوحاتها العرب ، لأنهم أعرف الناس ببيئتهم وأشخاصهم ، وأعلنت فى الصحف وفى المعاهد العليا للفنون وكان من نتيجة الإعلان وجودك هنا .

ـ قد لاتعرفين يا سيدتى أن هذه القصة العربية الفذة والعديمة النظير فى كل ما كتب من قصص والتى بلغت شهرتها كل آفاق الدنيا .. هذه القصة لانعرف ولا نتحقق من مؤلفها حتى الآن !

وهذه القصة هى التى فتحت الآفاق أمام الكثير من كتاب الغرب .. فكتب بوكاشيو الإيطالى الديكاميرون .

وكتبت مرجريت نافار الفرنسية " الهيتاميرون " كما تأثر بها " لامرتين " " جوته " ، وكل من كتب من شعراء وكتاب الغرب عن الشرق .. فهى التى الهبت مشاعرهم وفتحت أمامهم آفاق الخيال .

ـ لقد شوقتنى لقراءتها .. ولكن سأنتظر حتى أقرأ القصة التى فيها لوحاتك ..
ـ شكرا لكل هذا العطف ..

ونظرت فى الساعة ثم قالت ..
ـ سنتقابل غدا بعد الساعة السادسة لنذهب إلى المطبعة .. وسأتلفن لك فى الفندق قبلها .
ـ هل أطمع فى أن نتقابل قبل ذلك لنتغدى معا ؟
ـ إنى أعمل حتى الساعة السادسة مساء .. ويصعب علىّ مقابلتك قبل ذلك ..
ـ إذن نتعشى ..
ـ لابأس من هذا ..

وسررت جدا لموافقتها .. ورافقتها إلى محطة القطار الذى ستركبه إلى بيتها ويقع فى ريف كوبنهاجن .

***

والتقيت بمرافقتى فى المقهى الصغير الذى تحت محل فروك جار froijar ثم ركبنا إلى المطبعة بعد أن أعلمنا السيدة " كارين " .. بقدومنا وسرت بنا ورحبت .. وأرتنا الماكينات وعدد الطباعة الحديثة وعرضت على أجمل مطبوعاتها ..

وقالت وهى تبتسم :
ـ وسيكون الف ليلة وليلة .. أجمل وأروع من كل هذه الكتب ..
ـ بالطبع سيكون هكذا ..
ـ وقد فكرت أخيرا فى طبعة عربية فى لندن .. وستكون لوحاتك فى هذه الطبعة أيضا ..
ـ إن هذا سيجعلنى أشعر بسعادة لاحد لها ..

وجلسنا نشرب الشاى فى مكتبها الصغير الأنيق .. وقالت وهى تشير إلى مجموعة من الصور فوق المكتب .. هذا جدى .. وهذا والدى .. وهذا ابنى " انجر " الذى يعمل معى الآن .. وهم جميعا الذين أسسوا المطبعة .

ـ من دواعى الســرور أن تحتفظى بمكانتهم وصورهم هنا .
وقدمت لى كهدية بعض الروايات والقصص لكتاب من السويد والنرويج والدانمرك .. سلمى لاجرلوف .. أوجست استرندبرج .. هرمان بانج .. ألكسندر كيلاند .. أبسن .. وكلها من طبعتها باللغة الإنجليزية .

ولما تناولت اللفة .. قالت برقة :

ـ لن تحمل شيئا يا سيد " مختار " وتدور به فى المدينة .. سأرسل الكتب إلى الفندق .

وشكرتها وخرجنا أنا ومرافقتى السيدة " كوانا " لنتجول قليلا .. ثم نذهب إلى مطعم للعشاء كما اتفقنا من قبل .. وكانت قد هيأت نفسها لهذه الجولة الليلية فى أجمل ما ترتديه الأنثى فى المساء .. معطف سنجابى أنيق يضم جسمها ويبرز تقاطيعه ووشاح من الصوف دار على عنقها وزادها جمالا وفتنة .

وتعشينا فى المطعم الذى فوق المتجر .. والذى عرفتـه من قبـل ..

وقالت بعذوبة :
ـ لقد عرفت أجمل وأرخص المطاعم بسرعة .. ومن أول يوم ..
ـ كان ذلك مصــــادفة .. محض صدفة .. والبيرة جيدة هنا ..
ـ نعم جيدة .. وستجعلنا نأكل كثيرا ..!

وضحكنا وسألتنى :

ـ كم من الزمن أخذت منك هذه اللوحات ..؟
ـ قد أكون كاذبا إذا قلت انها استغرقت سنة .. الواقع انها استغرقت منى أقل من ذلك .. ورسمت بعد تفرغ ورغبة .. وكنت قد قرأت القصة .. واختلطت بمشاعرى ودمى .. ولذلك كان الرسم سهلا بعد ذلك .. رغم مشاغل الحياة والسعى وراء لقمة العيش .

ـ بالطبع نحن لانستطيع أن نتفرغ كلية .. كما فعل من كان قبلنا .. مشاغل الحياة كثيرة .

ـ انظرى وفكرى بعمق فى الرسام الذى التصق بكنيسة روما سنين وسنين ليرسم على سقفها أروع ما رسم فنان فى الوجود .. وفى الذى وهو يرسم " الموناليزا " جاء لها بفرقة موسيقية تعزف لها أجمل الألحان .. ليظل طابع الهدوء والسكون مرتسمين على وجه الفتاة وهو يرسم .

إننا لانستطيع الآن أن نكون مثلهم .. لم يكن دماغ الفنان مشغولا فى ذلك الوقت بالقنبلة النووية والهيدروجينية .. ودمار الحروب ، كان ذهنه متفرغا لعمله تماما .. كان يرسم فى سكون وتأمل وببسطة فى العيش .

ـ وأظن أنهم جميعا ولدوا فى سنين مقاربة وجاءوا فى عصر واحد .. عصر الأساتذة ..

ـ أجل فميشيل أنجلو على ما أذكر ولد سنة 1475 وهو الذى رسم سقف كنيسة روما .. وخلق الدنيا .. تصورى كيف كان تفكيره .. عندما فكر فى خلق الدنيا .. وفى آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة وطردا من الجنة .

ـ منتـهى الهـدوء والسكينة للنفس وهى ممسكة بالفرشاة ..

ـ ثم رافائيل 1483 وروينز 1536 .. جيل العباقرة والأساتذة كما ذكرت .

وفى زماننا ظهر واحد فلتة بيكاسو ولكنه فلتة لن تتكرر . ونحن الآن نعمل وكلنا يسعى لغرض أسمى .. ولإسعاد البشرية .. ولكـن هـل تحس البشرية بعملنا .. وما تلاقيه من صعاب .. أبدا أبدا .

وقالت " جوانا " معقبة ..!

ـ والذى يجنى الثمر من تعب الفنان وكده .. هو غيره وأنت تعرف هذا أكثر منى .

ـ إن نظرة التحول طرأت على الفنون جميعا .. تبعا لصخب الحياة وضجيجها .. موسيقى الجاز .. أفلام رعاة البقر .. قنابل ومتفجرات الحروب ودخانها .. تلوثت العقول .. وانمحى صفاء الذهن .. وبعد التأمل الطويل .. وركن الناس إلى السرعة .. السرعة .. والجرى بكل ما يملكون من طاقة وراء صخب الحياة .

عفوا لقد أثقلت عليك .. من كل هذه الخطب فمعذرة .

ـ أبدا أحب أن أرى على وجهك هذه الحماسة للفنون .
ـ سـأريك شيئـا جميـلا سررت به من قبل وشاهدته مصادفة هنا ..
ـ ما هو ..؟
ـ لوحات من الف ليلة وليلة معلقة فى صالة المتجر .
ـ هذا هو من نشاط مدام " كارين " إنها نشطة جدا فى الإعلان .. ولولا الإعلان ما جئت أنت إلى هنا ..!
ـ وسترين صورتى وبعضا من لوحاتى .. ونحن فى الطريق إلى الصالة .

ورأت السرور على وجهى فابتسمت ونزلنا بالمصعد إلى الطريق وودعتها فى القطار الذاهبة به إلى بيتها .

***

وفى الصباح التالى اتصلت بى تليفونيا فى الفندق .. وقالت برقة :

ـ سنتقابل اليوم فى السادسة والنصف مساء بعد انتهاء عملى .. وسنتعشى معا .. وأنا صاحبة الدعوة !

ـ وأقبل بسرور ..!

ـ سيكون اللقاء فى المقهى الصغير الذى شربنا فيه القهوة بالأمس .

ـ سأكون هناك قبل الموعد بساعة !

وتعشينا أنا و"جوانا " فى مطعم اختارته هى .. وشربنا مع الطعام الكثير من البيرة .. وخرجنا نتجول فى المدينة .. وأصبحنا نخرج من ميدان إلى ميدان .. ومن شارع إلى شارع .. وأنا أقول لها :

ـ ألا تشعرين بالتعب .. ألا نركب سيارة ؟
ـ أبدا أنا أحب أن أريك أجمل ما فى المدينة فى الليل .
وكنا نتجه إلى الميناء .. ووجدنا ملهى طالعنا منه السكون .

فهبطنا إليه .. واتخذنا زاوية ركنية .. وطلبنا النبيذ وجلسنا نشرب .. ونستمتع بالموسيقى والرقص .. ثم أقبل فوج من البحارة وكنا فى ظهر الميناء .. فدخلوا الملهى وأخذوا يشربون ويعربدون .. وكانوا من أجناس مختلفة من الإنجليز ومن بحارة الشمال .. وكنت أود أن نخرج من المكان بمجرد دخولهم ولكنى خشيت أن تتصور أنى خفت منهم .. فبقينا كما كنا ..

وكان همهم كله الرقص والغناء بصوت كريه .

وأقبل بحار تجاه مائدتنا وقال بأدب :

ـ هل تسمح لى السيدة برقصة ..

ورددت أنا على الفور قبل أن أعطيها الفرصة للرد بالقبول أو الرفض ..

ـ السيدة لاتعرف الرقص ..
ـ أتوجد سيدة أوربية لاتعرف الرقص ؟
باستغراب شديد ..

ـ أجل توجد وأرجو أن تنصرف .

وهم بأن يمسك السيدة من ذراعها .. فلكمته بجمع يدى فذهب يترنح وسقط على مائدة مجاورة وشعرت بلكمة على صدغى ولم أر من فعلها .

وتكهرب الموقف وجاء اثنان من عمال الملهى فوقفا بيننا وبين من تحرك من البحارة ، وكان صاحب الملهى قد طلب البوليس فدخل سريعا .

وقالت بسرعة :
ـ لنخرج .
فقلت لها :
ـ سنخرج ولكن ليس فى حركة الهارب أو الجبان .
ـ أعجب لموقفك وأنت الغريب ..!

وبعد دقائق أمسكت بيدها وخرجنا .. فإذا بالمطر يتساقط بغـزارة والريح تعصـف ولم نكن مستعدين بملابسنا للمطر فقلت لها :

ـ إن الفندق على بعد خطوات من هنا .. وهو أحسن مكان يأوينا .. حتى ينقشع المطر .

فلم ترد واتجهنا إلى الفندق مسرعين .

ولم ينفعنا الجلوس فى البهو لأن معاطفنا كانت مبللة .. فصعدنا إلى غرفتى وخلعنا معطفينا ووضعناهما على المناشف الكهربائية المعدة للفوط ليجفا من الماء ..

وكان صدارها الصوفى الذى تحت المعطف قد أصابه البلل أيضا .. ولكنى خجلت أن أقول لها اخلعيه ليجف وإلا سيصيبك البرد والزكام وأكون أنا السبب . وتحسسته بيدها ثم أبقتــه كما كان . ولعلها راودت نفسها على خلعه ثم عدلت .

وقالت وعلى وجهها الأسى :

ـ كيف حدث كل هذا ؟ إنى أتعجب ..؟
ـ إن بلدكم هادىء وجميل .. وأهله بسطاء ومن أطيب الناس وأحسنهم خلقا .. ولكن المتاعب تأتيكم دوما من الغرباء عنكم ..

ـ هذا حق .. والخنزير الذى لكمك لم أره .. وإلا لكنت .. وإلا لكنت ..

ونظرت اليها وهى منفعلة .. وأحببتها فى هذه اللحظة كما لم يحب رجل امرأة فى حياته .. وشعرت بالخجل لكل ما حدث ..

وقلت وأنا أنظر إلى عينيها :
ـ سنشرب .. عندى كونياك .. هنا ..
ـ لقد شربنا كثيرا .. يا مختار ..
ـ ولنشـرب أكـثر .. لنتقى البرد وأنت خارجة .. وانسى ما حـدث .. لقد كنت السبب فى احراجك الليلة ..
ـ كيف تفكر هكذا يا مختار .. وأنت الغريب عن البلد .. ولا تعرف فى أى ملهى كنا وأخذنا نشرب ..

وقالت وقد تضرج وجهها :
ـ هل كانت شهر زاد جميلة إلى هذا الحد الذى رسمته فى اللوحة ؟
ـ أعتقد هذا بعد كل ما قرأته عنها .. وأنها كانت أجمل من كل رسم ..
ـ وذكية ..؟
ـ جدا .. ذكاء مفرط .. انظرى كيف كانت تختار الجمل .. وكيف كانت تتوقف عند جملة بعينها .. بعد أن يبلغ شهريار مداه من التشوق واللهفة إلى سماع باقى القصة .. فى هذه اللحظة كانت تتوقف عن السرد .. وتتركه يتمرغ فى شوقه إلى الليالى التالية ..
ـ لقد رسمتها وأنت تحبها إذن ..؟
ـ أجل وستحبينها أنت أكثر منى .. إذا قرأت القصة ..

وحدث شىء جعلنا نقطع الحديث .. فقد أخذ الدم يتساقط من أنفى .. حدث هذا فجأة .. وحدث فى دفء الغرفة والشراب .. وكان الدم قد حبسه البرد الشديد فى الخارج ولكنه انطلق الآن ..

ودخلت الحمام أغسل الدم .. ودخلت ورائى ..

وقالت بلوعة :
ـ أفكر فى الطبيب بسرعة .. والطبيب هنا لايوجد إلا فى المستشفى ..
ـ لاداعى لطبيب أو مستشـفى .. الدم سينقطـع حالا بالماء البارد .

وأمسكت بالفوطة وبللتها بالماء وأخذت أمسح الدم .. وتناولت الفوطة من يدى .. وحركت كفها بنعومة ..

فقلت لها وأنا شاعر بالراحة .. !
ـ هــذه أول أنامل لأنثى تمسح آلامى وأشعر بها فى حياتى ..
ـ كيف هذا .. وزوجتك ..؟
ـ تزوجت مرة واحدة .. وفشلت .. وعدلت عن الزواج كلية بعد هذه التجربة .. فليس عندى من الأعصاب ما يحتمل ترويض الأنثى .. أنا قلق ولا أثبت على حال ..

ـ أنت فنــان ولوحاتك تعبر عن الصبر الطويل وليس القلق ..
ـ ولكنى كنت قلقا وعصبيا معها فاعذرينى ..
ـ وجهك بملامحه يبدو عليه الهدوء وسكينة النفس .. ولكن من عينيك يطل الحزن .. وأدركت هذا من الصورة التى بعثتها إلينا مع لوحتك .. فما سبب هذا الحزن ..؟

ـ أشعر فى أعماقى بالتعاسة .. والقلق ..
ـ هذا ما يشعر به كل فنان .. فلا تروع نفسك ..
ـ ولكنى مروع .. وأخاف دائما من شىء مجهول لا أعرف متى يأتى ..!!
ـ لاتجعلنى أضحك .. أنت فى رونق شبابك .. وهذه حالة مرضية فأبعدها عن رأسك ..
ـ ولكنها موجودة .. فما حيلتى ..!
ـ أنظر انقطع الدم تماما ..
ـ سأقبل اليد التى مسحت عليه .. وكانت السبب ..

وقبلت يدها وعينيها .. وضممتها إلى صدرى ورحنا فى عناق طويل .. غبنا فيه عن الغرفة .. والفندق والزمان والمكان بل عن الوجود كله .

***

وارتدت ملابسها التى جفت وأكملت زينتها وتهيأت للرواح .. وكانت تود أن تذهب وحدها إلى قطار الضواحى الذى سيحملها إلى بيتها .. ولكنى أصررت على مرافقتها ..

وخرجنا والليل متجل وفى قمة جماله وصحوه .. كما تتجلى العروس .. والمدينة ساكنة وأنوارها تتلألأ .. ودخلنا المحطة وكانت خالية إلا بالقليل من الركاب .. فقد قارب الليل إن ينتصف .. ورأينا رجلا يترنح تحت الرصيف والجو أخذ يثلج .. ونظرت إليه وقالت بمكر ..

ـ هل كانت شهر زاد سكرى الليلة فى الفندق ..؟
ـ أبدا .. ولا كان شهريار سكرانا ..!
ـ وما حدث ..؟!
ـ لابد من حدوثه ..

وارتسم على وجهها حنان لم أر مثله على وجه أنثى ..

وسمعنا صوت القطار داخل المحطة .. فقالت :
ـ أقبل القطار .. وسأريك قطع التذكرة ..

وأخذت ترينى الطريقة فى الآلة الأتوماتيكية المخصصة للتذاكر ..
وقلت لها :
ـ إننى من الغباء بحيث يصعب علىّ التعلم من أول مرة ..
ـ سأكرر الطريقة ..
ـ وتخسرين نقودا ..
ـ لا يهم ..
ـ أو أحسن أن أركب من غير تذكرة .. ويغرمنى الكمسارى .. بدلا من كل هذا التعب ..
ـ لن يغرمك الكمسارى ..
ـ لماذا ..؟
ـ لأنه يعرف أنك فنان .. ومهذب .. ووجهك ضاحك ..!!
وقبلت يدها .. ودخلت القطار .

***

وفى الصباح عرفت الطريق إلى المحطة وركبت نفس القطار .

واستقبلتنى جوانا على المحطة التى فيها بيتها .. وكان اليوم من أيام الأحد وهو عطلة .. فتحركت بحريتها وأرتنى الريف .. ببهجته وجماله وأزهاره وحدائقه ومزارعه الصغيرة .. وفيلاته الخضراء .. من طابقين بسقوفها المحدودبة والثلج يغطيها والبرد يلفها والعصافير تزقزق فى أركانها .. والطرق كلها بيضاء كنتف القطن ..

وبعد جولة طويلة بين الفيلات والثلج يتساقط والشمس غائبة .. شربنا الشاى وأكلنا الفطير فى شرفتها المطلة على المزارع ..

وقالت :
ـ سنقوم بجولة أخرى بعد أن يخف سقوط المطر .. وسأريك كلية الفنون .. وسترى هناك لوحات الشباب من كل أجناس الأرض .. وستمر بها وتعجب بهذه المواهب المتفتحة للحياة ..
ـ يسعدنى هذا ..
ـ وسنتغدى هنا ..
ـ ونتغدى هنا ..!

فابتسمـت واكتسى وجهها بلـون الأرجوان .. لموافقتى السريعة .

وقالت وهى تنهض وعلى وجهها البشر ..

ـ إنك حتى هذه اللحظة .. لم تر زوجى .. فتعال لأقدمك إليه ..

وتحركت وراءها إلى الدور الأول من الفيلا ..

وفى قاعة جميلة زينت بالكتب واللوحات والتماثيل الصغيرة .. قادتنى إلى ركن خفيف الضوء ..

وقالت برقة :
ـ سلم على زوجى ..

وكان الرجل يجلس بكامل هندامه على كرسى متحرك ..
وشعرت بيدى وأنا أحاول مدها إليه كأنها تحمل أطنانا من الحديد المحمى .. وعجزت عن تحريكها ..

وهبت العاصفة بكل ثقلها فجأة ..

وانحنيت وقبلت رأسه ..

وأدركت هى ما حل بى .. فأدارت رأسها وغالبت عبراتها .. وخرجت مسرعة من الغرفة .. وجلست بجوار الرجل وأنا مشلول الذراع صامت أخرس والدنيا تدور بكل ثقلها وأوزارها وتحط على صدرى .
=================================
نشرت القصة فى صحيفة مايو المصرية بتاريخ 431985 وأعيد نشرها فى كتاب " قصص قصيرة " لمحمود البدوى عام 2000
=================================


اللوحة ـ قصة قصيرة

اللوحــة

قصة محمود البدوى


كان حسام الدين رساما مشهورا ولوحاته الفنية حديث الناس فى المجتمع ..
وكان يسكن فى " فيلا " صغيرة من طابق واحد فى عزبة النخل بعيدا عن المحطة .. وكان يحيط بالفيلا حديقة برية نمت كما اتفق كأنها تسقى بماء الأمطار .. وتركت أشجارها وكل ما فيها من نبات وزهر للمقادير .. فمنذ وفاة زوجته .. وهو يعيش وحيدا ولا يدخل بيته خادم ولا بستانى ..
كان يأكل فى مطاعم القاهرة ويرسم لوحاته فى الأندية .. ويذهب إلى الفيلا فى آخر قطار لينام ..
ومرت حياته على هذا المنوال البوهيمى .. شهورا عدة .. وحدث فى صباح يوم من أيام الشتاء .. وكان نازلا من القطار فى محطة كوبرى الليمون كعادته .. فبصر بفتاة تجلس وحدها على مقعد فى المحطة ..
وكان وجهها معبرا ويبدو عليه الارهاق الشديد ..
ثم انطلق لشأنه ..
ولما رجع فى الليل ليركب آخر قطار ذاهب إلى المرج .. رآها جالسة على المقعد نفسه .. وكان قد أمضها الانتظار وحطم أعصابها .. فأخذت تتلفت فى قلق وتفحص كل الخارجين والداخلين من باب المحطة .. ثم ألقت برأسها على كتفها مستسلمة وفى تلك اللحظة تقدم إليها حسام الدين .. فركبت معه القطار إلى البيت ..
وكان فى وسط الحديقة بئر عليه دلو صغير .. فكانت مديحة .. تقضى الفراغ فى تحريك الدلو وسقى الأشجار .. وتجد فى ذلك لذة محببة .. وكان حسام يشاركها أحيانا فى سقى الحديقة ..
كانت تعرف طباعة وتعرف أنه لا يحب الأيدى الغريبة التى تعبث فى لوحاته .. وألوانه .. فكانت تحافظ على أدوات عمله ولا تدع أحدا يدخل البيت فى غيابه ..
وكانت تتركه عصر كل خميس .. وتعود إلى عزبة النخل فى صباح السبت فى أول قطار .. يفتح عينيه على وجهها الجميل ..
وكانت تعود من غيبتها حزينة .. وقد ذهبت نضرة وجهها ..
فسألها مرة :
ـ إذا كان السفر يرهقك فلماذا تسافرين ..؟
ـ أنه لا يرهقنى .. وهو أمر لابد منه ..
ـ كما تحبين ..
وكانت وادعة وتحسن أمور البيت وتعرف طباعه وتحرص على راحته .. حتى حببت له الإقامة فى هذا المكان المقفر .. وأصبح يخرج الحامل إلى الحديقة .. ويجلس يرسم ساعة وساعات مستغرقا فى عمله .. فإذا ألقى الفرشاة جانبا .. كانت الشمس قد أذنت بالمغيب .. ويكون التعب قد نال منه .. وفى هذه اللحظة تظهر مديحة فى ممر الحديقة حاملة صينية القهوة .. فيتناول منها الفنجان ويأخذا فى فنون الأحاديث ..
وكان قد رسمها .. عارية .. ولابسة .. فى لوحات كبيرة .. ولكنه لم يعرض هذه اللوحات .. وجعل الوجه شبه مطموس .. ومذ دخلت بيته وهو يشعر بالنشاط فى جسمه وفى عقله .. وذهبت عنه الغمة التى نزلت به بعد موت زوجته .. وأصبح يجد فى مديحة العوض .. والأنثى التى يتمناها الفنان ..
ولكنه لم يشاهد مثل هذا الوجه المعبر .. وفكر فى حياتها معه .. وحرصها على راحته وسعادته .. وفى انسانيتها ورقتها .. واهتزت مشاعره .. وقرر أن يحدد علاقته بها .. وأن يتزوجها ..
ورأى أن يفاجئها ذات مساء بالمأذون داخلا معه البيت ..
وفى الأسبوع الذى قرر فيه الزواج بها .. اشتعلت نيران الحرب فى القنال وابتدأت الغارات .. واشترك معظم الرجال فى المعركة .. وكفنان فكر فى أن يشترك فى المعركة بريشته .. ويرسم لوحة كبيرة يعرضها فى ميدان المحطة .. أو فى طريق الجنود الذاهبين إلى الميدان ..
وفى وقت الغارات والظلام والقنابل .. كان يعمل بذهنه .. ولا يدع دقيقة واحدة تمر دون عمل ..
ولكن بعد مضى أربعة أيام كاملة .. من العمل المتصل .. لم تعجبه اللوحة ووضع الريشة جانبا .. واعتمد برأسه على راحته ..
وسألته مديحة وهى تقدم له القهوة :
ـ ما لك ..؟
ـ اللوحة .. كما ترين .. مطموسة .. ولا تعبر عن شىء ..
ـ حاول غيرها ..
ـ سأحاول .. ولكن ما النتيجة ..؟ ستكون مثلها ..
ـ ولماذا تقدر أن تكون مثلها ..؟
ـ لأنى أرسم نفسى .. أرسم طبيعتى المصرية السمحة .. طبيعة شعب مسالم .. يحب السلام .. ولا أعرف روح الشر .. التى تحرك هؤلاء الأوغاد ..
ـ وما العمل إذن ..؟
ـ يجب أن أذهب إلى ميدان القتال .. وأرى وجوه الوحوش الآدمية .. التى تدمر البيوت وترسل الصواعق من السماء ..
وفى اليوم التالى حاول أن يذهب إلى بور سعيد فلم يستطع ..
فعاد إلى بيته وفى رأسه فكرة جديدة .. ووجد فى البيت غلاما فى الثامنة من عمره يجلس بجانب مديحة وعرف منها أنه ابن خالتها وأنه جاء يقضى معها بضعة أيام خلال عطلة المدارس .. التى أغلقت بسبب الحرب ..
وسر حسام لوجود الغلام سرور مديحة به .. وكان يسمع صوته فى البيت .. وحركته الدافقة ..
وكانت مديحة فى أثناء الغارات الشديدة تجذب الغلام إلى صدرها وتمنعه من الحركة وكانت إذا ذهبت إلى السوق فى الصباح تأخذه معها ..
وكان أحيانا يذهب إلى السوق وحده ليشترى بعض الأشياء الصغيرة كالصابون والسجائر .. والحلوى ..
وبعد يومين اثنين أحسا بقيمة الغلام .. وضرورة وجوده معهما فقد كان يشيع فى البيت الحركة ..
***
وذات مساء .. وكان حسام الدين مشغولا برسم لوحة كبيرة .. سمع صفارة الإنذار .. فوضع الفرشاة جانبا .. وأطفأ المصباح وتمطى .. وقال فى مرارة .. وهو شاعر بالإخفاق :
ـ لا فائدة ترجى .. برغم هذا التعب .. والصورة لا تعبر عن شىء على الاطلاق ..
وسمعت مديحة فجزعت وسألته :
ـ لا تعبر عن شىء ..؟
ـ إطلاقا ..
وخيم الصمت .. وكانت قد وضعت الغلام فى الفراش ودثرته .. فلما اشتد ضرب القنابل عادت وحملته وهو نائم .. وجلست فى الصالة بجانب حسام .. وشعر بكآبة ..
وقال حسام وكأنه يسمع هاتفا :
ـ أشعر بأننى سأموت .. كيف نواجه الشر ..؟
ـ بقلب صلد ..
ـ هذا صحيح .. ولكن هناك أناس فى العالم يصنعون الحروب .. ويعيشون ليدمروا حضارة البشر .. فكيف نواجههم .. وكيف نسحقهم ..؟ هذا هو السؤال .. منذ آلاف السنين وهم يصنعون الحروب ويقتلون النساء والأطفال .. فكيف نواجههم بقوى الخير التى فى الإنسان ..؟ إذا واجهناهم بوداعتنا وحمامة السلام التى على وجوهنا سحقونا .. وإذا أرسلنا عليهم القنابل المدمرة وصفونا بالتوحش .. هذا شىء يحير ..
وابتسمت وهى تستمع إلى حماسته .. ثم سمعته يقول وهو يخصها بالحديث :
ـ أشعر بأنى سأموت اليوم أو غدا .. وليس لى سواك .. فأرجو أن تدفنينى فى الإمام ولا تدفنينى فى المجاورين .. بجوار عبد الخالق ..
وضحكت .. حتى اهتز جسمها ..
كان يحدثها دائما عن قريبه عبد الخالق هذا .. بمثل هذه المرارة ..
وعصر يوم من أيام السبت وكان النهار قد انقضى من غير غارات شعر حسام بحاجته إلى السجائر .. فأرسلت مديحة " سرى " إلى بائع قريب فخرج الغلام يعدو .. وبعد خروجه مباشرة دوت صفارة الإنذار فنادته مديحة لترجعه .. ولكنه كان قد ابتعد فى الشارع فلم يسمعها وبعد قليل سمعت مديحة ضرب وصوت القنابل ولما خرجت إلى الشارع كانت الطائرات المغيرة تحلق على ارتفاع منخفض وتضرب الناس بالمدافع الرشاشة ..
فجرت مذعورة .. وهى تصيح :
ـ ابنى .. ابنى ..
وبعد عشر دقائق رآها الناس تحمل كتلة من اللحم على صدرها وكانت تمشى ثابتة الخطى وقد جف دمعها .. ورآها حسام تمشى فى الطريق الطويل مع الشمس الغاربة .. والغلام على صدرها .. وجموع الناس حولها ..
***
وفى الصباح أخذت مديحة تجمع ملابسها ..
وسألها حسام والدمع فى عينيه :
ـ إلى أين ..؟
ـ لقد ذهب الشىء الذى كنت لأجله أعيش معك .. وأتنفس لأرعاه وأتحمل المشاق لأطعمه فكيف أبقى ..؟
ـ لم تحدثينى قط عنه ..
ـ وهل كنت تبقينى فى بيتك لو عرفت أن لى ولدا ..؟
ـ طبعا ..
ـ أبدا .. ولا ساعة واحدة .. وأنا أعرف الرجال .. وأعرف أنانيتهم ..
ـ قد لا تعرفين .. أننى عزمت من شهور طويلة على أن نتزوج وبعد أيام سأنفذ الفكرة ..
ـ أننى الآن لا أصلح لأى شىء .. لقد ذهبت روحى .. وهل تقبل أن أعيش معك من غير روح ..؟
ـ أقبل ..
ـ إن قبلت أنت .. فلا أقبل أنا .. مستحيل .. أننى ذاهبة ..
ـ وهل .. هو .. الذى كنت تذهبين إليه كل خميس ..؟
ـ طبعا .. ولم أكن أسافر .. لأى بلد كما قلت لك .. كان فى القاهرة .. تركته عند سيدة ترعاه .. وكنت أعطيها كل شىء .. ولما دخل المدرسة واشتد ساعده .. وأصبح فرحتى الكبرى .. ذهب .. ككل شىء فى الحياة ..
وأخذتها العبرات ..
وسألها :
ـ إلى أين أنت ذاهبة .. هل لك أقرباء فى القاهرة ..؟
ـ أبدا .. ولكنى سأمشى .. فى المدينة وأقف على رءوس الشوارع والميادين وأقول للناس .. قاتلوا الوحوش .. قاتلوا الأندال .. قبل أن يقتلوكم ..
ـ وبعد هذا ..؟
ـ وبعد هذا .. يحدث الله أمرا ..
وأخذت طريقها إلى الباب الخارجى .. وحاول منعها فلم يستطع ..
***
وجلس بعد أن ذهبت .. صامتا .. حزينا .. ثم تحرك وجلس إلى اللوحة وأخذ يرسم وهو منفعل .. المشهد المسيطر على ذهنه والآخذ بحواسه .. المشهد الذى رآه .. صورة الأم وهى تحمل غلامها الشهيد .. ووراءها الجموع الزاخرة تحمل البنادق والخناجر لترد على العدوان بما هو أشد منه .. وعندما فرغ من الرسم وتأمله .. رضى عن نفسه وأدرك السبب الجوهرى الذى جعل اللوحة .. معبرة .. وحية ..


ـــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى صحيفة الشعب بالعدد 198 بتاريخ 20/12/1956 وأعيد نشرها فى كتاب " حارس البستان " سنة 1960
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الفرقة الأجنبية ـ قصة قصيرة

الفرقة الأجنبية

قصة محمود البدوى


قبل سنوات كان الفلاحون فى الريف يحسون بالفراغ .. ولم تكن فى معظم عواصم المديريات دار واحدة للسينما .. ولاشىء للتسلية واللهو .. وكانت كل هذه الأشياء مركزة ومجمعة فى القاهرة .. فإذا حدث ورحلت فرقة تمثيلية صغيرة .. من قلب العاصمة وحطت رحالها فى مدينة .. المنيا .. أو سوهاج .. استقبلها الناس بحرارة لاحد لها .. حتى وإن كانت من أحط الفرق الجوالة على الاطلاق ..
وكان الخواجه " اسناسيو " يملك فندقا كبيرا فى مدينة أسيوط مجاورا للمحطة .. وفى هذه المنطقة تتجمع كل الفنادق والمقاهى التى فى المدينة .. ويشتد بينها الصراع ..
وكان الخواجه " اسناسيو " يعمل بعقل ذكى على راحة النزلاء ويجدد فى الفندق ويبتكر وسائل للتسلية ، فكان فندقه من أشهر وأحسن الفنادق فى المدينة ..
ويستيقظ نزلاء الفندق ذات صباح على صوت أنثى .. تتكلم باللهجة " المصرية " الناعمة وتضحك وفى يدها السيجارة .. ويرون القميص الذى يضم صدرها ينشق عن مثل المرمر .. والساق منثنية إلى جانب وعارية .. فيعرفون فى الحال أن فرقة أجنبية جاءت من القاهرة فى قطار الليل ..
وتكون الفرقة فى الغالب مغمورة وقضت فى العاصمة .. ستة أشهر على الأقل فى تعطل مر .. وليس من بين أفرادها اسم واحد رددته الصحف .. ومع هذا كله .. فبعد ساعة من وصولها يتدفق الناس على الفندق كالسيل ..
***
وفى الليل يبدأ عمـل الفرقة .. ويظل الرقص والموسيقى إلى الصباح .. وتأتى وفود العمد والأعيان من ملوى وديروط وكل المراكز البعيدة والقريبة .. ويصبح من المألوف جدا أن تقف عربة كبيرة على باب الفندق .. وترى على رفوفها غبار السفر .. وينزل منها أحد كبار الأعيان .. ويكون ضخما فى الغالب ويرتدى الكاكولة السمراء والقطنية البيضاء ذات الخطوط السوداء الرفيعة .. ويندفع توا إلى الداخل .. وهو يحيى الموجودين .. ثم ينزل بعده ستة من التوابع ، أربعة منهم مسلحون على الأقل .. ويجلس اثنان بالبنادق على الباب .. ويدخل الباقون ..
وتركز عيون الرجال جميعا .. على شىء واحد .. فى الفرقة .. شىء عجيب فى نظرهم .. راقصة .. تركية .. أو شركسية .. أو مصرية أو " منصورية " .. راقصة واحدة تنسيهم رائحة الدريس .. وعليـها يدور الصراع .. وتدور الكئوس .. وتفرغ زجاجات الشمبانيا .. وتحرق أوراق البنكنوت من كل الأحجام .. لإشعال سيجارة لها .. وتكون هى فى الغالب لاتدخن على الاطلاق ..
كانوا يبيعون القطن وينثرون ذهبه تحت أقدام الغوانى والراقصات ومن ورائهم يزحف بنك الأراضى والبنك العقارى ناشبا مخالبه ..
***
وفى خلال السنوات الأربع التى قضيتها فى فندق " ديانا " لم أشعر بأى ملل على الاطلاق ..
وكنت أول من ينهض من الفراش فى الصباح .. وأنزل إلى حديقة الفندق الصغيرة لأنظر وأشرب القهوة وأطالع الصحف التى وردت فى قطار الليل .. قبل أن أذهب إلى عملى فى تفتيش الرى ..
وذات صباح رأيت شابا نحيفا فى الثالثة والعشرين من عمره قد سبقنى إلى الحديقة .. وجلس يشرب الشاى ، وكانت تبدو عليه الوداعة ، ثم أقبلت فتاة من داخل الفندق وجلست بجانبه .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. ولاحظت أنها شديدة الخجل فبمجرد أن لمحتنى جالسا عن قرب تضرجت وجنتاها .. وكانت بيضاء طويلة وجسمها تبرز تقاطيعه فى تناسق مع الفستان الذى تلبسه .. ولمح الشاب " جارسون " اللوكاندة واقفا هناك على باب الحديقة ، فصاح فيه :
ـ من فضلك .. صحى الجماعة اللى فوق .. جعنا ..
ـ حاضر ..
وبعد نصف ساعة كانت الفرقة كلها تتناول الافطار بجوارى .. وكانوا يتحدثون عن رحلتهم .. فى بنى سويف والمنيا .. ويكثرون من الضحك ويتندرون على الفلاحين البسطاء ..
ولاحظت من وجوههم وهندامهم ، أنهم من فرق الدرجة الثالثة ولكنهم كانوا يضمون إلى مجموعتهم فتاتين من أجمل من رأيت من النساء .. وكان لإحداهن جسم شفاف كالبللور .. ينثنى ويلف كالخيرزان ..
***
وفى الساعة الحادية عشرة صباحا ، رأى الناس الموسيقى فى المدينة لأول مرة تعلن قدوم الفرقة .. وكان على رأسها " بلياتشو يلبس طرطورا " .. ويرقص ـ وهو سائر ـ حاجبيه .. ويكتفى بهذه الحركة عن عمل أى شىء آخر ..
وفى الليل بدأ الغناء ودار الرقص .. ومثلت رواية مضحكة اشترك فيها الجمهور .. وسمعت وأنا جالس فى بهو الفندق الغناء .. ورنين الصاجات .. ونقر الدف .. ولكننى لم أشاهد التمثيلية ، وحوالى الساعة الثانية صباحا انفض السامر .. والتف الأثرياء حول موائد الشراب .. ورأيت جماعة منهم هناك فى زاوية من القاعة .. ومعهم الفتاة التى كانت ترقص فى السامر .. وهى الفتاة التى شاهدتها فى الصباح مع الشاب فى الحديقة .. جلست فى أول الأمر منكمشة خجلى لاتفهم بعض كلماتهم الصعيدية ثم شربت معهم وأكلت وأخذت تضحك ، وجلسوا حولها حلقة يشعلون لها السجائر بأوراق البنكنوت .. وابتدءوا بالجنيه .. والعشرة .. وهم يضحكون .. ولكن اسماعيل " بك " كتم أنفاس الحاضرين فجأة فقد أخرج بهدوء من جيبه ورقة بمائة جنيه .. وأشعل بها السيجارة للفتاة ..
ورأيت دخان الورقة الأزرق .. يصعد إلى خياشيم الفتاة .. ثم رأيت الرماد يسقط على الأرض ..
وفى غمرة الانتصار ونشوته .. وقفت الفتاة منتصبة .. ورأيت عواطفها كلها تذوب .. كأنها تود أن تحتضن الرجل وتقبل وجناته ..
ثم غالبت نفسها وعادت إلى كرسيها وفمها يتموج راقصا بالضحك ..
***
ولما صعدت لأنام سمعت صوت اسماعيل " بك " ورائى .. فقد كان يقيم فى الطابق نفسه .. وفى غرفة مجاورة لغرفتى ..
ولما أدرت الأكرة وحركت الباب .. رأيت على الضوء الخافت ، ضوء سيجارة هناك فى الممر .. فتوقفت ومددت بصرى ، فرأيت الشاب الذى كان فى الصباح يشرب الشاى فى الحديقة .. جالسا هناك فى العتمة .. فى نهاية الممشى كأنه فى انتظار رفيقته ..
وفى عصر اليوم التالى شاهدت من نافذة غرفتى .. الموسيقى عائدة من جولتها فى المدينة .. وكف العزف .. ودخل البلياتشو من باب الفندق وهو ينزع القناع .. ورأيت وجه الشاب رفيق الفتاة الراقصة ..
وقبل الغروب نزل إلى الحديقة .. وكان قد اغتسل ولبس البدلة التى شاهدته فيها فى اليوم الأول .. وحيانى وجلس جانبا يطالع بعض الصحف ..
وسمعت الفتاة الراقصة تناديه من فوق .. وكان مستغرقا فى المطالعة فنبهته .. فرفع وجهه إليها ..
ـ رءوف .. اطلع ..
فهز رأسه .. وعادت تلح وتناديه ..
فطوى صحيفته .. وصعد إليها ..
وعاد بعد فترة وجيزة منفعلا وعلى وجهه الغضب وجلس ساهما على المقعد نفسه .. ونزلت الفتاة بعد قليل .. وكانت متأنقة .. ومتعطرة .. وترتدى رداء محتشما سابغا .. كأنها عذراء من الريف .. وأخذت تحادثه بصوت خافت .. وكأنها تناجيه .. حتى رأيت وجهه يعود إلى هدوئه .. وانفتأ الغضب ..
ثم نهضا .. واتخذا طريق النيل ..
***
وبعد آذان العشاء .. خرجت لأجول فى المدينة .. ولما رجعت إلى الفندق فى الساعة العاشرة مساء .. كان الرقص دائرا فى القاعة الداخلية .. وكان رءوف جالسا وحده .. تحت مدار السلم وقد مال رأسه على صدره .. وتنبه على وقع أقدامى .. فرفع رأسه .. وحدق في مليا ثم سدر ..
وجلست قريبا منه أتعشى وأنا أسمع صوت الأنغام .. ولما دعوته للطعام اعتذر وقال لى :
ـ اعتدت أن أتعشى مع مديحة بعد أن تنتهى من رقصتها وستأتى حالا ..
ولكنها لم تأت ..
وانقضت ساعتان هكذا وهى تضحك مع الرجال فى الداخل .. وهو يسمع ضحكها من مجلسه ويتلون وجهه بكل الألوان .. وقد عجبت من تصرفه وشذوذه ، يصاحب راقصة ثم يغار عليها .. وسمع ضحكة حادة منها فابيض وجهه .. وكان أمامه كوب من الماء .. فرفعه إلى فمه .. ويده ترتعش .. ولا تقوى على حمل الكوب .. ولاحظت .. أن حاجبيه يرقص رقصة واحدة شديدة فى كل خمس .. أو ست ثوان ..
وظل يدخن وينفض الرماد ثم نهض وصعد إلى فراشه ..
وسمعت صياحا .. عاليا .. يأتى من الداخل .. وأزحت الستارة ووقفت أشاهد مديحة وهى ترقص بالصاجات وينثنى جسمها كالثعبان وكانت وسط نفر قليل من الرجال لايزيد على خمسه .. ولم يكن من بينهم اسماعيل بك ..
وكان الدخان يملأ جو المكان .. ومديحة ترقص على نقر خفيف .. للدف .. ولايوجد عود ولاناى .. ودار جسمها دورات ثم أسبلت عينيها وهى تتأوه .. حتى اقتربت من " كنبة " .. فجلست تستريح وحبات العرق تتساقط كاللؤلؤ من جسمها العارى ..
ثم انتصبت وأمسكت بثوبها وهى تقول :
ـ كفاية .. بأه .. أحسن مسافرين بكره .. بدرى ..
وصعدت السلالم وحدها ..
ولما ذهبت لأنام بعد ذلك بنصف ساعة .. وجدت نور الغرفة التى اعتـادت أن تنام فيها مع الشاب مطفأ ولم أسمع صوتا هناك ..! وغفوت .. ثم تنبهت على صوت اسماعيل بك فى الغرفة المجاورة .. ولما رفعت رأسى عن الفراش وجدت فى غرفته ضوءا خفيفا .. وكان الصوت الذى سمعته قد انقطع ولكنه عاد أشبه بالهمس .. فتحركت من فراشى .. وفتحت الباب .. فوجدت بابه مواربا واستطعت أن أرى مديحة وهى ترقص عارية فى زاوية من الغرفة دون صوت وكأنها نائمة واسماعيل بك يتربع أمامها وفى يده الكأس وعيناه نصف مغمضتين والدخان يملأ جو الغرفة ..
وخشيت أن ترانى .. فعدت إلى غرفتى .. وتمددت على السرير ..
***
وفجأة دوت طلقات مزقت السـكون .. وجريت على صوت النار ، فوجدت مديحة ساقطة فى مكانها .. واسماعيل بك .. قد تدحرج بجوارها على الأرض ..
وكان رءوف على الباب .. وفى يده المسدس ..
ولما تناولته منه .. سلمه دون مقاومة ..
ـ لن يقتلونى هنا ويمزقونى .. بالسكاكين ..
ـ لا .. لن يمسك بك أحد حتى يأتى البوليس ..
وأغلقت الباب من الداخل ..
وأمسك بى وأخذ يهذى :
ـ حضرتك محام .. اعمل معروف .. خلصنى .. أنا مريض .. أنها زوجتى .. ولقد تزوجتها وهى راقصة لتكون لى وحدى .. ولم تكن هكذا كانت أشبه بالعذراء .. وقد عملت بلياتشو فى الفرقة .. لأكون معها فى الليل والنهار .. أنا مريض .. مريض بالأعصاب .. ولا أستطيع أن أقوم بأى عمل .. عندما كنت فى بطن أمى .. أتهم والدى فى جريمة قتل وسجن وكان الناس جميعا يعرفون أنه برىء .. ولكنه بقى فى السجن ثلاث سنوات ، ولما صدر الحكم أخيرا بالبراءة .. كان قد ضاع ، وتمزقت أعصاب أمى ، وقد ورثت منها هذه الأعصاب ، أنا غير مسئول ، أنا مريض .. ولن تتركنى .. وحدى .. أنت شاهد .. وأنا مريض .. مسكين ..
وأطرقت برأسى وأنا مدرك أننى لاأستطيع أن أفعل شيئا لهذا الشاب ورحت فى دوامة من الخواطر ، وفى خلال تلك الدوامة خيل إلىَّ أننى أسمع رنين الصاجات .. وأرى جسم مديحة .. الشفاف كالبللور وهو ينثنى ويدور .. برقصة بكر .. وخيل إلىَّ أنها ترقص لى وحدى رقصة جديدة .. لم ترقصها من قبل لإنسان ..







=================================
نشرت القصة بصحيفة الشعب فى 1/2/1957 وأعيد نشرها بجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " حارس البستان "
=================================